الشيخ محمد رشيد رضا

468

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحياة على وجودهما اه أقول وغلب عرف الناس بعد ذلك في تخصيص البلد بالمكان الآهل بالسكان في المباني ( فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ) أي فأنزلنا بالسحاب الماء فالباء للآلة أو السببية - أو بالبلد فتكون الباء للظرفية أي فيه ، أو بالرياح ، والمختار هنا كون الباء للسببية فان الريح هي التي تثير السحاب من سطح البحر وغيره من المياه أو الأرض الرطبة وترفعه في الجو وهي سبب تحول البخار إلى ماء بتبريدها له - فبذلك يصير البخار ماء أثقل من الهواء فيسقط من خلاله إلى الأرض بحسب سنة اللّه في جاذبية الثقل . كما قال تعالى في سورة الروم ( 30 : 46 اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) وفي سورة النور ( 24 : 42 أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) الودق المطر أي يخرج من خلال السحاب وأثنائه . وكل ما ورد في الآن من انزال الماء من السماء فمراد بالسماء فيه السحاب ، لان هذا التفصيل صريح في ذلك والسماء اسم لكل ما علا الانسان ويفسر بالائن ، ومن الخطأ أن يظن أن الماء ينزل من السماء المعنوية التي هي مسكن الملائكة على السحاب الذي هو كالغربال لها وإن قال به بعض المؤلفين ، فان الآن يصرح بخلافه ، وما صرح به الآن ، هو الذي أثبته العلم والاختبار ، فان سكان الجبال الشامخة يبلغون في توقلها السحاب الممطر ثم يتجاوزونه إلى ما فوقه فيكون دونهم ، والعرب تسمي السحاب سماء تسمية حقيقية ثم أطلقت لفظ السماء على المطر نفسه ، فكانت تقول جاء مكان كذا في إثر سماء ، وقال الشاعر إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وان كانوا غضابا وأما قوله تعالى في تتمة آية سورة النور التي ذكرنا أولها آنفا ( وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عمن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ) فلا مانع من جعل السماء فيها عين السحاب ولعل الأظهر أن يراد بها جهة العلو التي يكون فيها السحاب كقوله ( فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ) وقوله ( مِنْ جِبالٍ ) بدل مما قبله . والمراد بالجبال قطع السحاب التي تشبه الجبال شبها تاما في عظمها وارتفاعها وشناخيبها وقللها ، وقلما يوجد في الخلق تشابه كالتشابه بين السحاب والجبال . والمعنى وينزل من